جلال الدين السيوطي

80

الاقتراح في علم اصول النحو

كانوا موصوفين بالصفات المعتبرة في التواتر ، وأن الذين أخبروا من أخبرهم كانوا كذلك ، إلى أن يتصل النقل بزمان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . والآخر : أن هذه الألفاظ لو لم تكن موضوعة لهذه اللغات ثم وضعها واضع لهذه المعاني ، لاشتهر ذلك وعرف ، فإن ذلك مما تتوفر الدواعي على نقله . قلنا : أما الأول فغير صحيح ، لأن كل واحد منّا حين سمع لغة مخصوصة من إنسان ، فإنه لم يسمع منه أنه سمعه من أهل التواتر ، وهكذا بل تحرير هذه الدعوى على هذا الوجه ، مما لا يفهمه كثير من الأدباء ، فكيف يدعى عليهم أنهم علموه بالضرورة ؟ بل الغاية القصوى في راوي اللغة أن يسنده إلى كتاب صحيح ، أو إلى إسناد متقن ، ومعلوم أن ذلك لا يفيد اليقين . وأما الثاني فضعيف أيضا ، لأن ذلك الاشتهار إنما يجب في الأمور العظيمة ، وليس هذا منه ، سلمنا أنه منه ، لكن لا نسلم أنه لم يشتهر ، فإنه قد اشتهر ، بل بلغ مبلغ التواتر : أن هذه اللغات إنما أخذت عن جمع مخصوص كالخليل ، وأبى عمرو ، والأصمعي ، وأقرانهم ، ولا شك أن هؤلاء ما كانوا معصومين ، ولا بالغين حد التواتر ، وإذا كان كذلك لم يحصل القطع واليقين بقولهم . أقصى ما في الباب أن يقال : نعلم قطعا أن هذه اللغات بأسرها غير منقولة على سبيل الكذب ، ونقطع بأن فيها ما هو صدق قطعا ، لكن كل لفظة عيّنّاها فإنا لا يمكننا القطع بأنها من قبيل ما نقل صدقا ، وحينئذ لا يبقى القطع في لفظ معين أصلا ، هذا هو الإشكال على من ادعى التواتر في نقل اللغات . . . هذا كلام الإمام « 1 » .

--> ( 1 ) الإمام فخر الدين الرازي كما تقدم .